علي بن محمد التوحيدي

138

أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )

كلام منسكب انسكابا ، وجار جريا يزيد لطفه على الطبع ، بقدر ما يزيد الطبع على التصنّع ، قليله كثير ، وكثيره غزير ، ومعناه أقوم من لفظه ، ولفظه أرشق من وزنه ، ووزنه أعدل من نظمه ، ونظمه أحلى من نثره ، ومجموعه أبهى من مفرّقه ، ومفرّقه أظرف من مجموعه ، وبعضه أغرب من كلّه ، وكلّه أعجب من بعضه ؛ وهو شيء يستوي فيه تعجّب الجاهل ، وتحيّر العالم ، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم « 1 » ، ويحجب الرّؤية عن الإدراك ، ويردّها إلى البديهة في التسليم ، وهذا يصحّ ويبين لمن كان ذا أداة تامّة ، وعقل ثابت ، وعلم غزير ، وطبع سجيح ، وبصر بالجوهر صحيح ، ومعرفة بالصّورة والصّورة ، وتمييز بين الحال والحال ، ورفق فيما يزيد البيان عنه ، لا يحمّله ما لا يطيق ، ولا يحتمل له ما لا يجب ، فيكون في جميع ذلك كالطبيب الحاذق ، والنّاصح المشفق . قلت له : إنما يكون هذا كلّه وما هو عتيد عندك داعيا إلى الإيمان به ، والتصديق لصاحبه . فقال : أتراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق عنها مجتلبا للسعادة ، كما لا أنصح لها في اقتضاء الحق لها مكتسبا للزيادة ؟ بلى واللّه ! ولكن وراء هذا ما يشكل ويعضل ، ويطول ويملّ .

--> ( 1 ) في الأصل : « ويستعرق الفهم » .